ابن عطية الأندلسي

107

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وقالت طائفة : الضمير في مِثْلِهِ عائد على الكتب القديمة التوراة والإنجيل والزبور . وقوله تعالى : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ معناه دعاء استصراخ ، والشهداء من شهدهم وحضرهم من عون ونصير ، قاله ابن عباس . وقيل عن مجاهد : إن المعنى دعاء استحضار . والشهداء جمع شاهد ، أي من يشهد لكم أنكم عارضتم ، وهذا قول ضعيف . وقال الفراء : شهداؤهم يراد بهم آلهتهم . وقوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي فيما قلتم من الريب . هذا قول بعض المفسرين . وقال غيره : فيما قلتم من أنكم تقدرون على المعارضة . ويؤيد هذا القول أنه قد حكى عنهم في آية أخرى : لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [ الأنفال : 31 ] . وقوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ، دخلت « إن » على لَمْ لأن لَمْ تَفْعَلُوا معناه تركتم الفعل ، ف « إن » لا تؤثر كما لا تؤثر في الماضي من الأفعال ، و تَفْعَلُوا جزم ب لَمْ ، وجزمت ب لَمْ لأنها أشبهت « لا » في التبرية في أنهما ينفيان ، فكما تحذف لا تنوين الاسم كذلك تحذف لم الحركة أو العلامة من الفعل . وقوله : وَلَنْ تَفْعَلُوا نصبت لَنْ ، ومن العرب من تجزم بها ، ذكره أبو عبيدة ، ومنه بيت النابغة على بعض الروايات : [ البسيط ] فلن أعرّض أبيت اللعن بالصفد وفي الحديث في منامة عبد اللّه بن عمر فقيل لي : « لن ترع » هذا على تلك اللغة ، وفي قوله : لَنْ تَفْعَلُوا إثارة لهممهم وتحريك لنفوسهم ، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع ، وهو أيضا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها . وقوله تعالى : فَاتَّقُوا النَّارَ ، أمر بالإيمان وطاعة اللّه خرج في هذه الألفاظ المحذرة . وقرأ الجمهور : « وقودها » بفتح الواو . وقرأ الحسن بن أبي الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف وأبو حيوة : « وقودها » بضم الواو في كل القرآن ، إلا أن طلحة استثنى الحرف الذي في البروج ، وبفتح الواو هو الحطب وبضمها هو المصدر ، وقد حكيا جميعا في الحطب وقد حكيا في المصدر . قال ابن جني : « من قرأ بضم الواو فهو على حذف مضاف تقديره ذو وقودها ، لأن الوقود بالضم مصدر ، وليس بالناس ، وقد جاء عنهم الوقود بالفتح في المصدر ، ومثله ولعت به « ولوعا » بفتح الواو ، وكله شاذ ، والباب هو الضم » . وقوله : النَّاسُ عموم معناه الخصوص فيمن سبق عليه القضاء بدخولها . وروي عن ابن مسعود في الْحِجارَةُ * أنها حجارة الكبريت وخصت بذلك لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب : سرعة الاتقاد ، ونتن الرائحة ، وكثرة الدخان ، وشدة الالتصاق بالأبدان ، وقوة حرها إذا حميت .